ما تَرَكَهُ الضَّوْءُ خَلْفَهُ 3
كانت بَغْدادُ، في رَمَضانَ من عامِ ثلاثٍ وثمانينَ ومئةٍ للهجرة، تنبضُ كقلبٍ لا يهدأ.
على ضِفافِ دِجْلَةَ، حيثُ تنسكبُ أضواءُ القناديلِ على صفحةِ الماءِ كنجومٍ سائلة، كانت المدينةُ المُدوَّرةُ — عاصمةُ الدنيا — تستيقظُ مع كلِّ أذان.
في النَّهارِ، تموجُ أسواقُها بتجّارِ الحَرِيرِ من سمرقند، وحَمَلةِ المخطوطاتِ من الإسكندرية، وعلماءِ الفَلَكِ من خراسان.
وفي اللَّيلِ، لا تنام… بل تتحوّلُ إلى معنى آخر.
تضيءُ مصابيحُ الزَّيتِ في بيتِ الحكمةِ حتى الفجر، وترتفعُ أصواتُ المتناظرين في المساجد، وتفوحُ من المطابخِ رائحةُ التمرِ الهنديِّ والزَّعفرانِ والهَيل.
هنا… حيثُ يلتقي دجلةُ بالفرات،
التقى القرآنُ بالفلسفة،
والصَّلاةُ بالعلم،
والتَّقوى بالمعرفة.
كانت بغدادُ في رمضان أشبهَ بمكتبةٍ عظيمةٍ تصومُ نهارًا وتقرأُ ليلًا…
مدينةً لا تشبعُ من الكتب، كما لا تشبعُ من السجود.
لتكتب عن:
"بغداد – في زمن الرشيد – مدينةٌ لا تنام"
★★★
المشهدُ الأوّل: في سوقِ الورّاقين
كان وقتُ العصر يميلُ نحو الغروب ببطءٍ شفيف.
وفي سوقِ الورّاقين — الممتدِّ إلى جسرِ دجلة — كانت الحركةُ تزدادُ كلما اقتربَ موعدُ الإفطار.
رفوفٌ خشبيّةٌ مصطفّة، تتكدّسُ عليها كتبُ الطبِّ، والفلك، والحساب، والشعر، والتاريخ.
ورقٌ يهمس، وحبرٌ ما زال طريًّا، وأحلامٌ معلّقةٌ بين دفّتين.
وقف صبيٌّ في الثانيةِ عشرة، اسمه عمر، أمام رفٍّ عالٍ.
كان نحيلَ الوجه، مرقّعَ الثوب، لكن عينيه كانتا تلمعان كأنهما تعرفان طريقًا لا يعرفه غيرهما.
قال له الورّاق، رجلٌ بلحيةٍ بيضاء وصوتٍ مبحوح:
— يا بُنَيّ، هذا الكتابُ ليس لك. ثمنُه عشرةُ دنانير.
ابتلع عمر ريقَه.
عشرةُ دنانير… أكثرُ مما يجنيه أبوه في شهرين.
قال بصوتٍ خفيض:
— أريدُ فقط أن أقرأه.
ابتسم الورّاق ابتسامةً خفيفة:
— وتعرفُ القراءةَ يا صبيّ؟
ارتفعت قامته الصغيرة قليلًا:
— نعم. أبي علّمني… وأُعينُه في النَّسخ أحيانًا.
تأمّله الرجل طويلًا، ثم قال:
— وماذا نسختَ آخرَ مرّة؟
— ديوانَ امرئِ القيس… كاملًا.
— في كم؟
— في عشرةِ أيام.
سكت الورّاق، وقد تبدّل في عينيه شيء.
ثم قال:
— انسخْ لي كتابًا في الطبِّ، فإن أحسنتَ، أعطيتُك دينارين، وقرأتَ ما شئتَ في دكاني.
تردّد عمر لحظةً…
رمضانُ طويل، والصيامُ مُجهِد، وأبوه يحتاجُه.
لكن النجومَ كانت تلمعُ في عينيه.
— سأفعل.
المشهدُ الثاني: بيتُ النُّسّاخ
عاد عمر إلى بيتهم الصغير في الكرخ.
غرفتان متواضعتان، وفناءٌ فيه شجرةُ توتٍ وحيدة، ظلُّها أرحبُ من سقفٍ واسع.
كان أبوه، إبراهيم، جالسًا ينسخُ مخطوطةً على ضوءِ الشمسِ الآفل.
ظهرٌ انحنى من طولِ الجلوس، وبصرٌ أرهقته الحروف،
لكن اليدين… ما زالتا ثابتتين.
قال عمر وهو يلهث:
— أبي… عُرِضَ عليَّ عمل.
استمع الأب في صمت.
وعندما علم بالأمر، قال بهدوءٍ يختبر عزيمةَ ابنه:
— رمضانُ ليس شهرَ لهوٍ بالخطِّ يا بنيّ. الصيامُ يُضعفُ التركيز.
أجابه عمر:
— سأعملُ ليلًا… بعد التراويح.
نظر الأب في عينيه طويلًا.
رأى فيهما حلمًا قديمًا كان يسكنُه ذات يوم.
مسح على رأسه وقال:
— افعل… لكن لا تتركِ القرآن.
العلمُ بلا إيمانٍ كشجرةٍ بلا جذور.
المشهدُ الثالث: الليلةُ الأولى
بعد التراويح، أشعل عمر شمعةً صغيرة.
فتح المخطوطة.
الخطُّ دقيق، والعباراتُ ثقيلةٌ بالمعرفة.
بسمل، وغمس القلم، وكتب:
«بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم… كتابٌ في علاجِ الحُمَيّات…»
ارتجفت يده في السطرِ الأوّل، ثم استقرّت.
صار الحبرُ يسيلُ كنبضٍ هادئ،
والحروفُ تنتظمُ كأنها تعرفُ مواضعَها قبل أن تولد.
كانت الساعاتُ تمضي،
والشمعةُ تقصر،
وعيناه تحترقان،
لكنه لم يكن ينسخُ كلماتٍ فقط…
كان يفتحُ بابًا.
المشهدُ الرابع: بين الأبِ والابن
في الليلةِ العاشرة، جلس الأبُ إلى جواره.
تأمّل الصفحات طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت:
— خطُّك… أجملُ من خطّي.
ارتبك عمر:
— لا يا أبي.
هزّ الأب رأسه:
— خطّي كان جميلًا… ثم أثقلَه العمر.
أما خطُّك… ففيه قوّةُ من يريدُ أن يمشي بعيدًا.
ثم أضاف:
— لا تكتفِ بأن تنسخ. اقرأْ وافهمْ… وأضِفْ يومًا ما.
كانت الكلماتُ تسقطُ في قلبِ عمر كما يسقطُ المطرُ على أرضٍ عطشى.
المشهدُ الخامس: ليلةُ السابعِ والعشرين
كانت بغدادُ كلُّها تبحثُ عن ليلةِ القدر،
إلا صبيًّا يبحثُ عن السطرِ الأخير.
كتب:
«واللهُ أعلمُ بالصواب، وإليه المرجعُ والمآب.»
ثم أضاف بخطٍّ صغير:
«نسخه الفقيرُ إلى عفوِ ربِّه، عمرُ بنُ إبراهيمَ النسّاخ، ليلةَ السابعِ والعشرين من رمضان، سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ ومئة.»
وضع القلم.
أغمض عينيه.
لم يشعر بتعبٍ… بل بسكينةٍ تشبه الدعاء.
خرج إلى الفناء.
كانت السماءُ أقربَ من العادة.
قال أبوه وهو ينظرُ إلى النجوم:
— قُلْ يا بنيّ:
اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا.
ردّدها عمر،
وشعر أن النجومَ ليست بعيدةً كما ظنّ يومًا.
المشهدُ السادس: بعد عشرينَ عامًا
مرّت السنون.
لم تكن قفزةً، بل سلّمًا من ليالٍ طويلة.
قرأ عمر ما نسخ،
ودرس،
وترجم،
وجلس في بيتِ الحكمة بين العلماء.
لكن في كلِّ رمضان،
كان يعودُ بقلبه إلى تلك الغرفة الصغيرة،
إلى شمعةٍ قصيرة،
إلى يدٍ ترتجفُ في السطرِ الأوّل.
وفي أحدِ الرمضانات، جلس إلى جواره شابٌّ ينسخ.
سأله:
— ماذا تريد أن تكون؟
قال الشابُّ بخجل:
— عالِمًا.
ابتسم عمر:
— إذن ابدأْ بحرفٍ واحد… واكتبْه بإخلاص.
الخاتمة
عاد عمر ذاتَ ليلةٍ إلى البيتِ القديم.
فتح صندوقًا خشبيًّا، وأخرج أوّلَ مخطوطةٍ نسخها.
قرأ في آخرها:
«الفقيرُ إلى عفوِ ربِّه…»
ابتسم، والدمعُ يملأ عينيه.
همس:
— ما زلتُ فقيرًا يا ربّ… مهما كتبتُ، ومهما عرفتُ.
نظر إلى شجرةِ التوتِ في الفناء،
إلى المكانِ الذي كان يجلسُ فيه مع أبيه.
قال في سرّه:
— اللهمَّ ارحمْ أبي، واجعلْ كلَّ حرفٍ كتبتهُ في ميزانِ حسناته.
وفي بغداد…
ظلَّ العلمُ يُضيءُ كما تُضيءُ القناديلُ على دجلة.
وظلَّت الحكايةُ تُروى:
أنَّ الطريقَ إلى النجوم
لا يبدأُ بالقفز،
بل بحرفٍ…
تكتبهُ في ليلةٍ هادئةٍ
وأنتَ تُؤمن.
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
✍️ محمد الحسيني ــ لبنان